صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
مقدمة 47
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
الأموال ، وتتفاوت تلك العقوبات بتفاوت الجرائم والمجرمين ، وكل هذه العقوبات - مقدرة أو غير مقدرة - تتضح فيها حكمة الشرع الشريف ويتضح لكل ذي قلب سليم أنه دين سماوي جاء بتحصيل المصالح وتكميلها وإلغاء المفاسد وتقليلها . كما أنه أيضا تعرض لشرح الآداب والأخلاق الرفيعة وحثّ على الاتصاف بالسمات الشريفة التي فطرت القلوب على استحسانها وحب من تخلق بها والنفور من أضدادها ومقت أهلها وبغضهم والبعد عنهم ، فإن اللّه تعالى فطر الخلق على استحسان السمات الطيبة التي وجدت أو بعضها قبل الإسلام كأغلب خصال الفطرة التي ذكرها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : « عشر من الفطرة : قص الشارب ، وإعفاء اللحية ، والسواك ، واستنشاق الماء ، وقص الأظفار ، وغسل البراجم ، ونتف الإبط ، وحلق العانة وانتقاص الماء . . . إلخ » « 1 » وفي الباب أحاديث كثيرة بهذا المعنى وهذه الخصال يستسيغها العقل السليم ويشهد بملاءمتها له لذلك يحافظ العقلاء على تطبيقها ، وإنما يخالفها من انتكست فطرته فاستقبح الحسن واستلذ القبيح فلا عبرة بهذا الضرب من الناس ولو كثروا أو زعموا المعرفة والإدراك ، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ، وبالجملة فإن احتواء الشريعة الإسلامية على هذه الخصال يفيد كمالها وانتظامها لكل ما يستحسن عقلا وشرعا ولكل ما تتوقف عليه الحياة الطيبة في هذه الدار ، كما أن الشريعة لم تتوقف على تبيين العبادات والقربات كما قد يظن ذلك الكثير من الناس ؛ بل تعرضت لإيضاح الأمور العادية وأوضحت الصفة الكاملة لاستعمالها ، ففي باب الأكل تعرض الشرع لبيان الهيئة المحمودة في ذلك ؛ فنهي عن الاتكاء حال الأكل كفعل من يريد الامتلاء من الطعام ، وشرع الأكل باليمين تفاؤلا باليمن والبركة ، وبالغ في النهي عن الأكل بالشمال تشبها بالشيطان وأعوانه ، كما جاء بالأكل بثلاثة أصابع إلا لضرورة . فإن الأكل باليد كلها قد يوجب ترادف الطعام على مجراه فربما أفسده وسبب الموت فجأة ، وذلك من باب رعاية نعم اللّه وإحسان جوارها ، وهكذا شرع أن يأكل كل فرد مما يليه ونهى عن الأكل من وسط الصحفة ، وعلل ذلك بأن البركة تنزل وسط الطعام ، كما أمر بالاجتماع على الطعام وذكر اسم اللّه عليه وحمده بعد الشبع ، ونحو ذلك مما فيه تذكير بعظيم منة اللّه في تيسيره لأسباب ذلك ، ومما يسبب مع الصدق حلول البركة فيه حالا ومآلا ، وهكذا جاء بآداب الشّرب المتضمنة لجمّ فوائده والمستحسنة عقلا وشرعا ، فنهى عن التنفس في الشراب والنفخ في الطعام كراهة أن يصحبه شيء من الريق فيقذره على غيره ، وأمر بالتنفس ثلاثا خارج الإناء ، وبمص الشرب دون العب بقوة ، وعلل ذلك بأنه أهنأ وأبرأ وتعرض للأواني التي لا يباح استعمالها في الأكل والشرب كآنية الذهب والفضة وتوعد متعاطيها أشد الوعيد لما فيها من الفخر والخيلاء والإسراف وكسر قلوب الفقراء ، وهكذا شرع للأمة آداب التخلي « 2 » وإن كانت مما يحتشم من ذكره ، ومن الأشياء التي تلزم الإنسان بحكم العادة ولكن لها آداب وأحكام تدخل بها في عموم الشريعة الإسلامية ، وكذا آداب اللبس والخلع فجاء باستحباب لبس البياض من الثياب وأباح غيرها إلا ما استثنى ، وأحب لباس القمص ولبس غيره من الأزر والأردية والسراويلات ونحوها ، ونهى عن الخيلاء والإسبال في الثياب وبالغ في الوعيد على أهل الخيلاء والترفع على الناس ، وأحب أن يرى اللّه آثار نعمته على عبده في اللباس ونحوه ، ونهى عن المشي في نعل واحدة ، وحث على التيامن في لباس الثوب والنعل ونحو ذلك وحرم أنواعا من اللباس كالحرير لما فيها من الإسراف والتبذير ، وتعجل الطيبات في
--> ( 1 ) أخرجه مسلم ربك ( 261 ) في الطهارة : باب خصال الفطرة عن عائشة رضي اللّه عنها . ( 2 ) أي الآداب المتعلقة بقضاء الحاجة من التبول ونحوه .